١.٢١ المنطوق والمفهوم، وهل مفهوم الموافقة يقع ناسخاً ومنسوخاً؟


المنطوق والمفهوم

اللفظ الوارد من الشارع إما أن يدل على الحكم بمنطوقه وتعرف هذه الدلالة بدلالة المنطوق، وإمّا أن يدل على الحكم بمفهومه وتعرف هذه الدلالة بدلالة المفهوم. ولك أن تسأل أيها الدارس الكريم:
ما هو المنطوق؟ وما هو المفهوم؟
لأن الحكم على الأشياء فرع عن تصورها، كما هو مقرر عند أهل العلم.

١.٢١ المنطوق والمفهوم، وهل مفهوم الموافقة يقع ناسخاً ومنسوخاً؟


"المنطوق"

"المنطوق": هو ما دل عليه اللفظ في محل النطق.
وبالمثال يتضح المقال: قول الله تعالى في شأن الوالدين: (( فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ)) [الإسراء:٢٣]، هذا القول يدل بمنطوقه على: تحريم التأفيف.مثال آخَر: وجوب الصلاة والزكاة الذي دلّ عليه قول الله تعالى: (( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)) [البقرة:٤٣]، فأنا لو سألتك: ما الذي تستفيده من منطوق قول الله تعالى: (( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ))؟ تقول: أستفيد وجوب الصلاة ووجوب الزكاة. فما دل عليه اللفظ في محل النطق يسميه العلماء بـ"المنطوق".
بقي أن نعرف معنى المفهوم.

١.٢١ المنطوق والمفهوم، وهل مفهوم الموافقة يقع ناسخاً ومنسوخاً؟


"المفهوم"

"المفهوم" هو: ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق.
مثال: قول الله تعالى: (( فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ)) أي: للوالدين. فإنّ ما دلت عليه الآية في محل النطق هو: تحريم التأفيف. فإذا سألتك: وما الذي دلت عليه الآية في محل السكوت؟ يعني: لا في محل النطق. تقول: الآية في محل السكوت، أو يُفهم منها: تحريم الضرب، والشتم والسب، ونحو ذلك من أنواع الإيذاء... فما دل عليه اللفظ لا في محل النطق هو المسمى بـ"المفهوم".

١.٢١ المنطوق والمفهوم، وهل مفهوم الموافقة يقع ناسخاً ومنسوخاً؟


هل المفهوم نوع واحد أو أنواع؟

قال أهل العلم: المفهوم نوعان: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة.

مفهوم الموافقة

مفهوم الموافقة هو: أن يكون حكم المسكوت عنه موافقاً لحكم المنطوق.
وبالمثال يتضح المقال. وما زال المثال الأول معنا: قول الله تعالى في شأن الوالدين: (( فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ)). أنت الآن جدير بأن تقول: إن منطوق هذه الآية يدلّ على حرمة التأفيف. ومفهوم هذه الآية يدل على: تحريم الضرب والشتم والسب ونحو ذلك... فالحكم المستفاد من المنطوق هو: التحريم، والحكم المستفاد من المفهوم هو: التحريم أيضاً؛ لذلك يسميه العلماء: "مفهوم الموافقة". فمفهوم الموافقة هو: أن يكون حكم المسكوت عنه موافقاً لحكم المنطوق.
وبالمناسبة: فابن قدامة يسمِّي مفهوم الموافقة: "التنبيه". فإذا ما قرأتم نسخ حكم التنبيه، فالمراد مفهوم الموافقة.

١.٢١ المنطوق والمفهوم، وهل مفهوم الموافقة يقع ناسخاً ومنسوخاً؟


مفهوم المخالفة

ومفهوم المخالفة وهو: أن يكون المسكوت عنه مخالفاً للمنطوق في الحكم. حتى أنت تستطيع أن تفهم ذلك من التسمية. مفهوم مخالفة يعني: المسكوت عنه يكون مخالفاً للمنطوق في الحكم. وعليه فيثبت للمسكوت نقيض حكم المنطوق، ويسمى بـ"دليل الخطاب"، يعني بعض أهل العلم يسمي: "مفهوم المخالفة": "دليل الخطاب".
وبالمثال أيضاً يتضح المقال: تأمّل معي قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (( في الغنم السائمة زكاة )) . معنى فحديث النبي -عليه الصلاة والسلام- يعني: إذا بلغت النصاب تزكّى. فالحديث بمنطوقه دل على: وجوب الزكاة في الغنم السائمة.
وبالمفهوم المخالف يدل على: عدم وجوب الزكاة في المعلوفة. هذا يسميه العلماء: "مفهوم المخالفة".
إذاً اللفظ إمّا أن يدل على الحكم بمنطوقه، وإما أن يدل على الحكم بمفهومه. والمفهوم قد يكون مفهوم موافقة، وقد يكون مفهوم مخالفة.

١.٢١ المنطوق والمفهوم، وهل مفهوم الموافقة يقع ناسخاً ومنسوخاً؟


مسائل نسخ المنطوق والمفهوم

في هذا الفصل تكلم ابن قدامة عن أربع مسائل
المسألة الأولى: هل يكون التنبيه -وهو مفهوم الموافقة- ناسخاً ومنسوخاً؟
المسألة الثانية: إذا نُسخ الحكم في المنطوق -يعني: نسخنا حكم المنطوق- فهل يكون ذلك نسخاً للمفهوم -يعني: مفهوم الموافقة-؟
المسألة الثالثة: هل نسخ حكم المنطوق هو نسخ للحكم الثابت بعلّة ذلك الحكم المنطوق به؟ أو بعبارة أخرى: هل نسخ حكم الأصل يكون نسخاً لحكم الفرع؟
المسألة الرابعة والأخيرة: نسخ حكم المنطوق به هل هو نسخ للحكم الثابت بدليل الخطاب؟ ودليل الخطاب كما بينت لكم منذ لحظات هو: مفهوم المخالفة.

١.٢١ المنطوق والمفهوم، وهل مفهوم الموافقة يقع ناسخاً ومنسوخاً؟


قول ابن قدامة

وابن قدامة يقول في هذا الفصل: "فصل: والتنبيه يُنسخ ويُنسخ به". وقد علمتم معنى "التنبيه" أي: مفهوم الموافقة. قال: "فصل: والتنبيه يُنسخ ويُنسخ به، لأنه يُفهم من اللفظ فهو كالمنطوق وأوضح منه. ومنع منه بعض الشافعية وقالوا: هو قياس جلي، وليس بصحيح". يعني: تسمية مفهوم الموافقة بالقياس الجلي ليس بصحيح، وإنما هو مفهوم الخطاب. ولأنه يجري مجرى النطق في الدلالة، فلا يضر تسميته قياساً. إلى هنا المسألة الأولى في كلام ابن قدامة.
ثم قال: "وإذا نسخ الحكم في المنطوق، بطل الحكم في المفهوم". هذه المسألة الثانية.
ثم قال: "وفيما يثبت بعلته أو بدليل خطابه. وأنكر ذلك بعض الحنفية لأنه نسخ بالقياس". قال: "وليس بصحيح". ردّ من ابن قدامة، لأن هذه فروع تابعة لأصل، فإذا سقط حكم الأصل سقط حكم الفرع. ولنتناول كل مسألة على حدة.

١.٢١ المنطوق والمفهوم، وهل مفهوم الموافقة يقع ناسخاً ومنسوخاً؟


هل التنبيه -أو مفهوم الموافقة- يقع ناسخاً ومنسوخاً؟

خلاف على مذهبين:
                    فضلا، انقر على الزرين للتفصيل

المذهب الأول

أن مفهوم الموافقة -أو التنبيه كما اختار ابن قدامة في التسمية- يقع ناسخاً ومنسوخاً. يعني: يجوز نسخ التنبيه والنسخ به. ذهب إلى ذلك ]ابن قدامة -رحمه الله-، وهو مذهب جمهور العلماء. وهو مذهب الأئمة الأربعة أيضاً.[ لذلك ابتدأ الفصل بقوله: "والتنبيه يُنسخ ويُنسخ به". وقال بعض الأصوليين: إن التنبيه يقع ناسخاً ومنسوخاً متفق عليه، وممّن نقل هذا الاتفاق: الآمدي في "الإحكام"، والقرافي في "شرح تنقيح الفصول".


١.٢١ المنطوق والمفهوم، وهل مفهوم الموافقة يقع ناسخاً ومنسوخاً؟


ولهذا المذهب دليلان:
الدليل الأول: أنه يُفهم من اللفظ، فهو كالنص المنطوق به، وكما يجوز نسخ النص والنسخ به كما قررنا قبل ذلك، كذلك يجوز نسخ التنبيه -أعني: مفهوم الموافقة- والنسخ به، ولا فرق. بل قالوا: قد يكون المفهوم الموافق أقوى من المنطوق به، كقوله تعالى: (( فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا))؛ فإن هذا النص دل بمنطوقه على: تحريم التأفيف، ودل بمفهومه الموافق على: تحريم الضرب والشتم. بمعنى: أنه إذا حرّم مجرد التأفيف فمن باب أوْلى أن يحرّم الضرب والشتم. هذا هو الدليل الأول الذي ذكره ابن قدامة على صحة وجواز نسخ التنبيه والنسخ به.
وهناك دليل ثانٍ وهو: أن ما ثبت باللفظ -يعني: الحكم الذي يثبت باللفظ وفُهم من اللفظ- ليس من شرطه أن توجد صيغة اللفظ فيه. لو قلت لك مثلاً: "أكرم العوام لأنهم مسلمون"ن يجوز لك من باب أولى أن تكرم العلماء بهذا اللفظ. فمن هذا اللفظ أنت تكرم العلماء لأنهم مسلمون وإن لم يتناولهم اللفظ من طريق الصيغة، لكن من طريق العلة والتنبيه، فكذلك هاهنا يجوز نسخ التنبيه والنسخ به لأنه إما في قوة النص، وإما لأن ما ثبت باللفظ وفهم منه ليس من شرطه أن توجد صيغة اللفظ فيه. هذا المذهب الأول بأدلته.

١.٢١ المنطوق والمفهوم، وهل مفهوم الموافقة يقع ناسخاً ومنسوخاً؟


المذهب الثاني

أما المذهب الثاني: فيرى أصحاب هذا المذهب: أن التنبيه -يعني: مفهوم الموافقة- لا يُنسخ ولا يُنسخ به، أي لا يكون ناسخاً ولا منسوخاً؛ وهذا [مذهب بعض الشافعية].
واستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن التنبيه -وهو: مفهوم الموافقة- قياس جليّ، والقياس -على ما قررنا- لا يُنسخ ولا يُنسخ به. بيان ذلك: أن المنع من الضرب والشتم المفهوم من قول الله تعالى: (( فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ)) لم يثبت من جهة النطق لأنه لم ينطق بالمنع من الضرب والشتم، ولم يسمع من ذلك صيغة الضرب أو الشتم، وإنما عرف ذلك من معنى النطق، ومعنى النطق هو نفس القياس، والقياس لا يكون ناسخاً ولا منسوخاً.


١.٢١ المنطوق والمفهوم، وهل مفهوم الموافقة يقع ناسخاً ومنسوخاً؟


وقد أجاب الجمهور عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أنّ كون مفهوم الموافقة قياساً غير صحيح من وجوه:
الوجه الأول: أن تحريم أنواع الأذى من ضرب وغيره بالنسبة للوالدين مفهوم بالخطاب وهو التنبيه، وذلك في لغة العرب. أي: أن تحريم الضرب وغيره من أنواع الأذى ثبت نطقاً لا قياساً، فصح نسخه. يعني: كأن ضرب الوالدين مفهوم من النص وليس من القياس. هذا معنى الجواب الأول. والدليل أنه ثبت نطقاً: أنهم قالوا: هذا مفهوم الخطاب وفحواه وتنبيهه.
الوجه الثاني: أن أصحاب الشافعي صرحوا بأنه قياس جليّ، يجري مجرى النطق في الدلالة. وإنما اصطلحوا في تسميته قياساً جلياً، ونحن سميناه بمفهوم الموافقة أو التنبيه أو معنى الخطاب أو فحوى الخطاب أو دلالة النص كما يقول الحنفية. وإذا اتفقا في المعنى، فلا يضر الاختلاف في التسمية فلْيسموا بما شاؤوا.

١.٢١ المنطوق والمفهوم، وهل مفهوم الموافقة يقع ناسخاً ومنسوخاً؟


والوجه الثالث من الجواب الأول: قالوا: إنه لو كان قياساً -يعني: لو سلّمنا لكم أنّ ما نقول عليه نحن "مفهوم موافقة" وأنتم تقولون عليه "قياس"- لو كان قياساً لاختص بفهمه أهل العلم والنقل والاستدلال، لأن القياس يحتاج إلى نوع من الفهم وإلى نوع من العلم وإلى نوع من التدبر، ولكن هذا يستوي في معرفته العالم والعامي، فكل واحد من العالم والعامي يعرف أنه إذا حرم مجرّد التأفيف للوالدين فإنه من باب أولى أن يحرم الضرب والشتم وغيرهما من أنواع الأذى. هذا حاصل الجواب الأول وهو من ثلاثة وجوه.
الجواب الثاني: قالوا: على فرض أنه قياس -يعني: سلّمنا لكم يا معشر الشافعية: أن مفهوم الموافقة قياس-، فإن هذا لا يمنع أن يُنسخ ويُنسخ به حيث إننا بينا فيما سبق: أن القياس إذا كانت علته منصوصاً عليها جاز نسخه والنسخ به.